عبد الملك الجويني

204

نهاية المطلب في دراية المذهب

ولو علم أن الكلام محرّم في الصلاة ، ولكن لم يعلم كونَه مفسداً ، فتفسد صلاته وفاقاً ، وهذا يطرد في الصوم وغيره ، وهو يناظر مسألة من كتاب الحدود ، وهي أن من شرب الخمر ، ولم يعلم تحريمَها لم يحدّ ، وإن علم تحريمها ، ولم يعلم أنه يُحد شاربُها ، حُد ، ولم يصر جهله بالحدود دارئاً له . ولو علم أن الكلام على الجملة يحرم ، ولكن لم يدْرِ أن الذي جاء به محرم ، فقد ذكر بعض المصنفين أن الصلاة تبطل في هذه الصورة ، وهذا محتمل عندي ، ويظهر المصير إلى أنها لا تبطل الصلاة . فهذا بيان تمهيد عذر الناسي والجاهل . 917 - ومما يلتحق بالنسيان والجهل وهو أولى منها ، وهو أنه لو التف لسان الذاكر والقارىء ، فجرى بكلام جنسه مبطل للصلاة ، فلا تبطل صلاته أصلاً ، وعندي أن أبا حنيفة يوافق في هذا ، مع مصيره إلى أن الناسي لا يعذر ؛ فإن سبق اللسان إلى هذا لا يزيد على سبق الحدث ، ومن سبقه الحدث ، لا تبطل صلاته . 918 - ومما نذكر في المعاذير أن المصلي لو أكره على أن يتكلم في الصلاة ، فتكلم مكرهاً ، فهذا كما لو أكره الصائم على الأكل مع ذكره للصوم ، وفيه قولان ، سأذكر حقيقتهما في كتاب الصوم إن شاء الله تعالى ، والغرض الآن تنزيل المصلي منزلة الصائم . 919 - ومما نذكره متصلاً بالكلام السكوت ، فإذا أطال الرجل سكوته ، وهو لا يؤمر باستماع وإصغاء ، فإن تعمد ذلك في ركن طويل ، فقد ذكر القفال وجهين في بطلان الصلاة ، أصحهما ( 1 ) أنه لا تبطل ؛ فإن السكوت ليس خارماً لهيئة الصلاة وما فيها من رعاية الخضوع والاستكانة . والثاني - أنه تبطل الصلاة ؛ فإن اللائق بالمصلي الذكر والقراءة ، والسكوتُ في حكم الإضراب عن وظائف الصلاة وما شرعت الصلاة لأجله . والدليل عليه أنَّ من رأى رجلاً على البعد يتكلم ، يسبق إلى اعتقاده أنه ليس في

--> ( 1 ) في ( ت 2 ) : أحدهما .